time

اندلعت الحرب العالمية الثانية في الأول من شهر سبتمبر سنة 1939 للميلاد، وهي حرب كونية شاركت فيها معظم دول العالم التي كانت مستقلة وتتمتع بالسيادة، كما شارك فيها مجندون من شعوب كانت مستعمرة ولا تتمتع بالسيادة، وانتهت هذه الحرب التي اكتوت بها الإنسانية في الثاني من شهر سبتمبر سنة 1945، مخلفة وراءها عديد ضحايا، وتعددت التقديرات عما خلفته من ضحايا بشرية من مدنيين وعسكريين، إلا أن المرجح فيها أن يكونوا بين 62 إلى 78 مليون ضحية بين مدينين وعسكرين، وهي تضحية كبيرة جدا قدمتها الإنسانية، إذ منذ نشأة الكون لم يصل عدد ضحايا أي حرب مرت عليه إلى هذا العدد. ناهيك عن الخسائر المادية والدمار الشامل الذي خلفته في المنشآت القاعدية والمدن.

ومن مزايا التضحية؛ أن الإنسان يضحي من أجل أن يزيح ثقلا كان يعاني منه ويعكر صوف حياته لكي يعيش سعيدا، إلا أن الإنسانية وبعد انتهاء هذه الحرب المدمرة بدل أن تدخل مرحلة جديد من حياتها ملؤها المودة والحب والاحترام والتآخي، وجدت نفسها تعيش ولفترة من حياتها بغير اختيارها حربا غير معلنة اندلعت خفية أطلق على هذه المرحلة مصطلح “الحرب الباردة”، كان وقودها التنافس الحاد بين المعسكرين الاشتراكي والليبرالي، الكل يمتدح مساره على أنه هو السليم والصحيح والأنسب للإنسانية ويناصب الآخر العداء، وأعد لهذا ترسانة كبيرة وقوية من وسائل الدعاية، فساد تسابق كبير على الاستقطاب، وتمحورت الحرب على التطور العلمي والتكنولوجي وغزو الفضاء، وساد فيها تسابق جنوني على التسلح وامتلاك أسلحة الدمار الشامل.

استمرت الحرب الباردة إلى سنة 1991، وهي السنة التي عملت فيها سنن الحياة عملها إذ وقع فيها تحول كبير في المعسكر الاشتراكي، لكن الأمر لم يستتب للإنسانية، وتحول الحال من حرب باردة إلى حروب باردة. كأن الإنسانية كتب عليها لتعيش الحروب المعلنة والخفية والباردة.

هذه الحروب الباردة نتجت أساسا عن عدم أخلقة العمل السياسي وأخلقة نمط الاستهلاك للسمو بمطامح الإنسان للمعقول، وتأسست مفاهيم جديدة وأحيانا غريبة، جعلت جهد البشر يتوجه لينحصر في التفكير في المادة، هذه الحالة أدت إلى تلوث تفكير الإنسان وصار شغله الشاغل التفكير في كيفية تلبية جميع غرائزه، واعتراه هاجس التوجس خيفة من المستقبل وتطور الغير وتفوقه عليه ماديا، وأدى ذلك إلى الإنفاق فوق احتياجاته، وفوق طاقة الإنتاج وهو ما ترتب عنه إثقال كاهله بالدين، وسار هذا التوجه رغم أنف نخب في المجتمعات عجزت عن أن تلف حولها الرأي العام لأخلقة حياة الإنسان أمام قوة المادة. التي تسندها ترسانة رهيبة من الإشهار حيث لم تترك شيئا مغريا إلا استعملته. فهذه الإنسانية التي تعيش على كوكب الأرض تلاحمت وخاضت حربا كونيةو لم يحدث بعد التحول الذي وقع في المعسكر الشيوعي في حالها الشيء الكبير، ذلك الشيء الذي ينقصها، الحب والتآخي والاحترام بين الشعوب. ونتج ذلك لما نسيت أو تناست عمدا أمام انسياقها المادي أنها تعيش على فضاء مشترك يقع ما بين الأرض والسماء وأن أي اختلال في النواميس التي تسيّر الحياة عليه بفعل الإنسان أو نتيجة قوة قاهر يكون له أثر على جميع من يعيش عليه، وحتى الحيوان والنبات والجماد يتأثر.

وفي خضم تضعضع تفكير الإنسان أمام طغيان التفكير في إشباع رغباته، ضحل التفكير المنطقي الذي يسير الكون، وجاءت جائحة فيروس كرونا، وهي جائحة أخطر واشد من جائحة الطاعون التي اجتاحت أوربا في أواخر النصف الأول وبداية النصف الثاني من القرن الرابع عشر وجائحة الجدري التي اجتاحت العالم في منتصف القرن السابع عشر، وتكمن خطورة فيروس كرونا حسب ما يفيد به العلماء في سرعة الانتقال و نتائجه الوخيمة، وما نراه ونسمعه من تحليلات حول صيرورة العالم بعد هذه الجائحة والتي لحد الآن تعرف بدايتها ولا يعرف لها منتهي، ولم يستقر معه رأي عن كيفية هذه الصيرورة، و لا أحد أعطى ملامح عالم ما بعد كرونا ما عدى مقولة ـ عالم ما بعد كرونا لا يكون عالم ما قبل كرونا ـ

وإذا نظرنا إلى العالم حاليا كيف هو مركب، نجد أن همه قبل هذه الجائحة كان ماديا محضا، وسلك هذا المسلك بقوة قاهرة تقف وراءها آلة التطور العلمي والتكنولوجي تدعمها ترسانة من وسائل الإشهار والتي أنتجت إنسانا مستهلكا قويا لا يتوقف طموحه يوما، وأسهم ضعف إنتاج النخب في المجتمعات في إحداث ذلك أو قل لم تجد من يسمعها، وهو ما جعل في الأيام الأولى للصدمة حتمية التفكير فيما يؤول إليه الاقتصاد وكأن الاقتصاد هو من يخلق الإنسان وليس الإنسان هو من يخلق النمو الاقتصادي، ويا ليت التفكير انحصر في الاقتصاد المرتبط بتسيير أزمة كرونا واللصيق بحياة البشر، فكان الأمر يكون مستساغا جدا.

ومهما تعددت التحليلات والآراء عما سيكون عليه حال البشرية بعد تخطي هذه الأزمة، وأول ما يتبادر للذهن عند سماع كلام ـ عالم ما بعد كرونا لا يكون عالم ما قبل كرونا ـ أن العالم سيشهد متكاتفا ثورة حقيقية في المنظومة الصحية العالمية، لكن الأمر ليس عند ذلك فحسب، فكما نسيت الإنسانية مآسيها السابقة، ستنسى جائحة كرونا وتنخرط في مسار صراعات أخرى تأخذ أشكالا مختلفة. ويصبح السؤال الذي يلح بنفسه على الظهور، هو:

ــ هل الإنسانية تقف مع نفسها في هذا الظرف لتكتشف أن مصيرها مشترك؟

فيمكن للبشرية أن تسير بعد هذه الجائحة، إذا أرادت وذلك ليس بالأمر الصعب، من منطق أننا على متن سفينة واحدة، إذا قام أحدهم بثقبها سيغرق الجميع ويصير الجميع يحافظ عليها، لكن بالمقابل هل يمكن لقوة التفكير المادي المسيطر على تفكير الإنسان أن تجنح لمثل هذا التفكير المنطقي. ذلك ممكن جدا وتحقيق الهدفين معا يكون بأخلقة السياسة ونمط الاستهلاك.

بقلم/ هاجر ميموني

 

 

تعليقات الزوار ( 0 )

اترك تعليقاً

مقالات ذات صلة

التشكيلة الرسمية لنادي بوروسيا مونشنغلادباخ ضد فيردر بريمن

كورونا: تسجيل 194إصابة جديدة في الجزائر خلال الــ24 ساعة الأخيرة

شنقريحة يفتتح فعاليات ندوة” الصمود في مواجهة كورونا”

تبون يتلقى مكالمة هاتفية من نظيره التركي بمناسبة عيد الفطر