الثقافي

حميد زناز يقرأ سيوران

سيوران يراقص المعاني و ينثر الأسئلة
الولادة بذاتها، مغامرة عبثية لا جدوى منها، فهي لعنة أبدية متجذرة الألم ترافقنا وتأخذ موقع كرة الثلج مع مضي السنوات .
إنه الكاتب و الفيلسوف الروماني المولد الفرنسي الإقامة والثقافة “إميل سيوران”، الذي كان محور كتاب “المعنى و العدم / مدخل إلى فلسفة سيوران” الذي أصدره باللغة الفرنسية الكاتب الجزائري حميد زناز و الذي سبق و أن أصدر كتبا عديدة باللغتين العربية والفرنسية من بينها البير كامو بهجة الفلسفة أسفار العقل و دفاعا عن العقل و الفيلسوف إذا سئل / لماذا اختار ألبير كامو أمه ؟ وغيرها من الكتب و التي ترجم بعضها إلى اللغتين الإيطالية و الكردية.
دخل إلى فلسفة سيوران كما ورد في المعنى والعدم لمحاولة رصد تلك المرحلة المضطربة نحو الذات و العالم، وهذا ينم عن المعرفة الدقيقة لفكره و على تمكن صاحب الأصولية كما فسرتها لابنتي من عالم سيوران ، الذي قضى حياته باحثا عن الغاية من وجوده إذ يقول: هل ولد الإنسان ليموت؟ فإذا كان هذا مصيره المحتوم لما كل هذا النواح؟ فالأجدر أن نقيم الاحتفالات عند الممات لا عند الولادة منبع المنفى و الأرق، فبمجرد اللإنوجاد في الحياة هتك لما سوف تكونه لو لم يتم ارتكاب خطيئة ولادتك، يضيف صاحب “مساوئ الولادة” الذي جعل والدته تفكر لماذا لم تجهضه بعد كل تذمره من حياته، حياته التي حاول وضع حد لها لكن سرعان ما انتقم منها بأفكار و فلسفة في قمة العبثية قدمها للعالم في أكثر من 15كتابا على مدار 40سنة من البحث و الاستقصاء بداية و هو بعمر الثانية والعشرين أين ألف الكتاب الأول له “على ذرى اليأس”، ما خوّله للوصول إلى ما انطلق منه تحديدا و هو قناعته بعدم ارتكاب فاجعة الإنجاب، “اقترفت كل الجرائم، باستثناء أن أكون أبا.. بمجرد التفكير في أن لا أكون ولدت، أي سعادة و أي حرية.. هذا التذمر المتجذر عند سيوران لم يكن إلا عقوبة مفروضة بكامل النفي و التجاهل تجاه الذات، فأفكاره يقول إن كان لي ما يمكن تسميته أفكارا فهي تنبح، إنها لا تفسر شيئا بل تتفجر.
فأي قلق هذا الذي يحدث الانفجار غير سؤال يجعل أي عقل يتجرأ على طرحه مرادفا للجحيم فكرا و ممارسة، ماهذا الوجود الذي يحتفي بقدومنا كذبا؟ أوليس الإنسان الكائن المفرز للكارثة؟ ماذا عساه يجيب سيوران الذي يمتهن المعاناة و يعيش الأرق ؟
ألهمت الأسئلة سيوران بقدر ما آلمته خاصة في ظل محدودية العقل و عجزه على إضفاء معنا للحياة، بتعاون من الوعي الذي اعتبره الرذيلة الوحيدة التي تتيح لنا أن نكون أحرارا، أحرارا في الصحراء، و على مر كل تلك الكتب التي أفحم بها الوجود و الفلسفة التقليدية مارس سيوران التفكير بصوت مسموع في مصدر هذا القلق الذي يتميز به الوجود الإنساني ألا و هو فخ الولادة في عالم لا يكترث بأحد، و من هنا يتشكل الشعور الحاد بخسارة اللاوجود و هي خسارة فادحة غير قابلة للتعويض بل رسوب نهائي في امتحان الكينونة ،لا يمكن استدراكه و هذا بتعبيره لاشيء يثبت أننا أكثر من لاشيء… و لان سيوران خلد لرؤية لاتحكمها القوانين إنما التساؤلات فهو بذلك أثبت أن الموتى لا يتفلسفون و لا ينتجون أفكارا و سيوران فعل عكس ذلك تماما، كما جاء دائما في المعنى والعدم مدخل إلى فلسفة سيوران بمحاوره التسعة لصاحبه حميد زناز عن الدار الجزائرية للنشر 2017،قول سيوران مختصرا معضلة الوجود: عندما علمت بمولدي فقدت كل شيء.. فالرغبة في الموت كانت همي الأوحد والوحيد في سبيله ضحيت بكل شيء حتى الموت، هذا ما تناوله الكاتب في أكثر من سبعين صفحة في النسخة الفرنسية لكن بإسهاب عن سيوران المولد و النشأة و حياة العراقيل التي ولدت سيوران الكاتب و المفكر، مختصرا ذلك في قوله: لا أحاور سيوران كله إنما سيوران الذي وصل الى عنق الزجاجة،تلك الطبيعة التي ولدت و مازالت تحلم بعدم الولادة .

مازوني فتيحة .

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. ابداع في الطرح ما شاء الله نحتاج دائما الى هكذا مستوى من التناول الاعلامي خاصة مع الافكار الفلسفية الراقية التي كثيرا ما تجهض بسبب اقلام اعلامية فاشلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق