“ بلاد ميكي ”.. مقال من كتاب “كلام في السياسة” للكاتب فريد بغداد

الكتاب متوفر في جناح دار المثقف بالصالون الدولي للكتاب

بكري ، في زمن الطفولة و البراءة ، أيام كنا نمقت نشرة الأنباء التي كانت لا تتأخر عن الساعة الثامنة و لم نشهد لها حلقة أخيرة رغم انتظاري لها على أحرّ من الجمر ؛ أقصد نهاية حلقاتها و ليس موعد بثها بالتأكيد ، طبعا ليس لأننا كنا نفهم في السياسة و ننتقد فشل الحكومات و الوزارات و المسؤولين ، فقد كنا أبعد الناس عنهم و لا نتذكرهم إلا عندما تنقطع الكهرباء في وسط عرض رسومنا المفضلة ؛ خصوصا إذا كان يوم سبت و كان الكابتن ماجد معلقا بين السماء و الأرض منذ الخميس الفائت و الكرة تلتف و تدور أمام قدمه التي يبدو أن تشنجا عضليا أصابها فتجمدت و لم تتحرك لركل الكرة ، ساعتها فقط نتذكر أولئك المسؤولين عن قطع الكهرباء و إعادتها فينالهم منا قسط وافر من السُّباب اللاذع .

كنّا مولعين ببرامج الأطفال إلى حد الهوس ، و أتحدث عن فترة بعينها هي حقبة منتصف الثمانينيات ، كانت الرسوم المتحركة تسكن عقولنا و الوجدان ، فلا تحدثني عن سالي و بكائي لحالها ، و لا تذكرني بغراندايزر و هو يمخر عباب الفضاء ببنيته الحديدية التي كانت تغرني و أنا أستعرض عضلاتي أمام الأقران فلا أجدني إلا وقد شبعت من عندهم كفوفا و ركلا ، و لا تسلني عن بيبيرو و هو يجوب بلاد الأنديز بحثا عن ذهب الإلدورادو ، كانت أياما بمعنى الأيام رغم الميزيرية و لياليها الباردة .

كان آباؤنا و رغم محدودوية تعليمهم ، و منهم من لم يعرف مقاعد الدراسة في حياته إلا ما كان من حصير الكُتّاب و سوط ” سي الطّالب ” ، يسخرون منّا و نحن مشدوهين إلى التليفزيون على الخامسة ننتظر فراغ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد من تلاوته ، و صفحات المصحف تمر من أمامنا لا تكاد تنتهي من شوقنا لقدوم أحبابنا من الشخصيات الكرتونية ، و ما إن يلفظ الشيخ الجليل عبارة ” صدق الله العظيم ” حتى تتهلل أساريرنا و تنفرج كربتنا ، و تـزيدنا تلك المذيعة فرحا و بهجة و هي تذيع على أسماعنا نبأ بث رسومنا المتحركة و يثير اشمئزازنا أنها لا تتمنى لنا مشاهدة طيبة على غرار ما تتمناه للنساء عند حلول وقت مسلسل السابعة من فرجة ممتعة ، و هل المسلسل الممل أصبح أفضل من الرسوم المدهشة ، كان آباؤنا ، قلت قبل استطرادي اللازم ، يضحكون علينا و يسمون ما نتلهف لمشاهدته ” شوادة ” التي تدل على القرود ، لست أدري لماذا ابتدعوا هذه التسمية التي كانت تبدو لنا انتقاصا في حق شخصيات لطالما عظمناها و احترمناها بكثير من التبجيل ، معقول ؟ توم سوير شادي ؟ و أنا الذي اتخذته قدوة لي خلال عام دراسي بأكمله ؟ ربّما كان السبب في ذلك لأنهم خلال طفولتهم إبان الثورة و الاستعمار لم يشاهدوا رسوما قط ، إنهم لم يشاهدوا حتى نشرة الأخبار التي أصبحوا يقدسونها ، و أنّى لهم ذلك و الجزائر لم يكن فيها تلفازا واحدا ، إلا ما كان بعد إطلاق المستعمر للبث التليفزيوني سنة ست و خمسين ، أكيد ساعتها كان التليفزيون ترفا لا يقدرعليه إلا مُعمّر أو ميسور الحال .

في تلك الفترة ، طبعا لا أقصد الخمسينات ، فأنا أتحدث هنا عن الثمانينات كان التلفزيون يعرض كل مساء جمعة أقدم رسوم متحركة في التاريخ ، ميكي ماوس ، و لكونها أول رسوم ، أصبح اسم شخصيتها البطلة مفردة تدل عندنا على أي رسوم متحركة أتت من بعدها ، و لست أدري كيف ضمّن الناس ، الكبار طبعا، هذا الإسم في عبارة لم أكن أفهم معناها، و لا أدري للآن ما المقصود منها ؛ ” بلاد ميكي ” ، و لا زال ليوم الناس هذا ، على الرغم من استيعابي لعموم كنهها إلا أنه في قلبي شيء من ” بلاد ميكي ” هذه ، ما إن يُنهي أحدهم وصلة من السخط على أوضاع مزرية يرى أن السبب فيها مسؤولون ؛ بِغض النظر عن رتبهم أو مستواهم محليا أو وطنيا حتى يختتمها بقوله ، ” … بلاد ميكي “، فلا تدري العلاقة بين ميكي و بلاده و بين أحواله البائسة ؛ فهل أصبح ميكي يملك بلادنا حتى أضحى الناس ينسبونها إليه ؟ أم تراه كان يقصد أننا أصبحنا شخصيات كرتونية تعيش في هذه البلاد ، أم أن سلوكات و تصرفات أولئك المسؤولين الذين استاء منهم ذلك المتسخط الذي أطلق صرخة ” بلاد ميكي ” تشبه أفعال توم و جيري و كاليميرو و التنين الصغير و ماروكو ؟

ربما يكون ذلك ذا مغزى ؛ فعلى أيامنا هذه صرت كلّما رأيت ولد عباس إلاّ و خطر ببالي شخصية المدمّر رقم واحد في رسوم ” جنغر ” ، زعيم عصابة المدمرين الفضائيين الذين سعوا لغزو الأرض و تدميرها هو و حزبه ، أقصد هو و جماعته الشريرة ، و كلّما شاهدت أويحيى فإنّي أتذكر شخصية علاّم في مسلسل عدنان ولينا ؛ قائد الغواصة الذي كان دائم الملاحقة لعدنان و لا يدعه في حال سبيله ، و عندما ترى كائنا من شاكلة طليبة فإنه لا بد أن يمرّ على خيالك طيف ” جامبو الجبار ” في سلسلة ” ساسوكي ” بعصاه الحديدية الغليظة التي كاد أن يهشم بها رأس ساسوكي المسكين ، و إذا مرّ من أمامك طيف المنتخب الوطني في عهد زطشي فبالتأكيد لن تفوّت الفرصة من دون أن تستحضر مأساة فريق المجد قبل أن يلتحق به الكابتن ماجد .

لم أجد من طريقة أخرى تجعلني أفهم الداعي من وراء تلفظ المحتجين على الأوضاع المتدهورة في البلاد لعبارة ” بلاد ميكي ” ، غير هذا الربط ، و من يدري ، ربما و هم يطلقون جام غضبهم وسط هذه الجملة تمنّوا أن ينقذ أبناءهم و ينتشلهم من مستقبل مظلم بات يلوح في الأفق كالكابوس المرعب ؛ أبطال من شاكلة غراندايزر و جنغر و رعد العملاق و النمر المقنع و الكابتن من المدمرين و غزاة الفضاء و الكابتن بسّام .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق