حتمية بناء اقتصاد رقمي جزائري على قاعدة صلبة من تكنولوجيا الإعلام والاتصال

بقلم/ فريد بغداد

من غير الممكن، مهما حاولنا، فصل الاقتصاد الرقمي عن تكنولوجيات الإعلام والاتصال، فإذا كانت هذه الأخيرة هي الوسيلة فإن الأول هو عبارة عن المعاملات والمبادلات المالية والخدماتية والسلعية التي تتم باستخدام هذه الوسيلة، فقد باتت المعرفة أو المعلومات تشكل المادة الخام للاقتصاد وركيزته بعد أن كانت الأرض ورأس المال، ومنه فإنه لا حديث لنا عن اقتصاد رقمي بمعزل عن تكنولوجيات الإعلام والاتصال، بعدما اجتاحت موجة الرقمية الاقتصاد وتحولت المعلومات إلى لغة تفهمها الأجهزة الذكية التي شكلت الأداة والتقنية المسيطرة في هذا الاقتصاد إن لم نقل في العالم بأسره.

الحديث عن تكنولوجيا الإعلام والاتصال هو حديث عن المعلومة وطرق الاتصال التي تسمح بنشر وتداول هذه المعلومة، وبعيدا عن الخوض في تاريخ تطور تكنولوجيات الإعلام والاتصال، نجد أن أحدث ما توصل إليه العلم حاليا في هذا المجال هو أجهزة الإعلام الآلي والهواتف الذكية وأنظمتهما التشغيلية وخدمات الأنترنت، وقد سمحت بإنتاجها الثورة التكنولوجية الهائلة التي أتاحت تدفقا كبيرا وانتشارا واسعا للمعلومات بسرعة عالية، وبكلفة زهيدة وجهد أقل جعل المتلقي يتحكم في الوقت والمكان اللذان يحصل فيهما على المعلومة، وقد أدى كل ذلك إلى إزاحة الحدود والفوارق وإتاحة فرص متساوية بين الجميع.

وقد أصبح الاقتصاد الرقمي سمة ملازمة لاقتصاديات الدول المتقدمة، والتي باتت تقاس في تطورها على مدى التوجه نحو رقمنة اقتصادها، وقد بقيت الدول المتخلفة بعيدة عن هذا الواقع الجديد، وظهر هناك تفاوت شاسع بين الدول المتقدمة والمتخلفة من خلال ما يسمى بالفجوة الرقمية التي نجدها في الواقع حتى بين الدول المتخلفة، وفيما يخص حالة الجزائر ففي الواقع هي بعيدة حتى عن كثير من الدول العربية والإفريقية في مجال إدماج التكنولوجيات الحديثة للإعلام والاتصال.

ويشير الخبراء في مجال تكنولوجيا الإعلام والاتصال إلى أنه، وحتى نجعل من تكنولوجيا الإعلام والاتصال محركا قويا لنمو اقتصادي فإن الأمر يتطلب بنية تحتية متكونة من شبكات متطورة ثابتة وجوالة للبيانات، قادرة على توفير أنترنت عالية التدفق لعدد أكبر من الأشخاص وبأقل التكاليف، وبحلول ملائمة للجميع من أفراد ومؤسسات، وللسوق الجزائرية عموما، ما يفتح المجال لتحقيق أهداف مجتمع المعلومات وردم الفجوة المسجلة حاليا في الاقتصاد الرقمي.

راهن الاقتصاد الرقمي في الجزائر

مع تزايد نمو الاقتصاد الرقمي والانتشار الواسع لشبكة الأنترنت وآثارها على البنوك ونشاطاتها، أدى ذلك لوجود أنظمة دفع إلكترونية ووسائل حديثة تتلاءم مع متطلبات هذا الاقتصاد الجديد.

أما عن واقع الصيرفة الإلكترونية في النظام المصرفي الجزائري فما زال في مرحلة أولية من خلال إدخال بطاقات السحب، وإدخال بعض التكنولوجيات الحديثة في القطاع المصرفي، إلا أنها رغم ذلك تحاول بجهودها المستمرة النهوض باقتصادها الوطني من خلال تبني بعض المشاريع بتطوير البنى التحتية لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصال والتوجه نحو الاقتصاد الرقمي.

خلال الندوة الإقليمية حول مساهمة الاقتصاد الرقمي في نمو بلدان إفريقيا والشرق الأوسط “مينا” المنعقدة بالجزائر العاصمة يومي 26 و27 مارس 2018، أكد وزير المالية السابق عبد الرحمان راوية على ضرورة وضع الإجراءات التي تسهل النشاطات المرتبطة بالنقد الإلكتروني والتجارة الإلكترونية والحكامة الإلكترونية، وذلك من خلال إعداد إستراتيجية على المدى الطويل بهدف ضمان استقرار مناخ الأعمال، حيث يتعين تصور استحداث مؤسسة ناشئة من خلال الأخذ بعين الاعتبار المعايير والممارسات الدولية الجديدة.

وقد كانت هذه الندوة التي نظمتها وزارة المالية بالتعاون مع البنك الدولي وصندوق النقد العربي، تهدف إلى إبراز العناصر الأساسية لاقتصاد جديد قائم على المعرفة، بالإضافة إلى دور المؤسسات التربوية في تغيير ذهنيات الأجيال الشابة.

وتجدر الإشارة إلى أنه قد تم الاتفاق بين الأطراف المشاركة، من فاعلين وخبراء وطنيين ودوليين في مجال الاقتصاد والمالية وتكنولوجيات الإعلام والاتصال خلال هذه الندوة حول اقتصاد المعرفة، على ضرورة إنشاء أرضية رقمية من أجل تشجيع الاتصال والتبادل بين الشباب المبتكر في مجال تكنولوجيا الإعلام والاتصال، كما تطرقت إلى ضرورة توفير المنشئات القاعدية من أجل بروز اقتصاد رقمي، على غرار التمكين للولوج إلى الأنترنت والدفع الإلكتروني.

عوائق يواجهها الاقتصاد الرقمي في الجزائر

على الرغم من دخول القانون المتعلق بالتجارة الإلكترونية بالجزائر حيز الخدمة، بعد أن تم نشره في العدد 28 من الجريدة الرسمية، والذي يهدف إلى تقنين وتنظيم معاملات التجارة الإلكترونية، ووضعه للكثير من معالمها وتوضيحه للغموض الذي كان سائدا حولها، إلا أن ذلك يعد غير كافيا، فعدا عن كونه لا يوضح بدقة كيفيات وطرق سريان العمليات التجارية الإلكترونية فإنه يضع قيودا ثقيلة أمام المستثمرين في هذا القطاع، تجبرهم على التسجيل في مصلحة السجل التجاري أو في الصناعات التقليدية أو الحرفية، إلى جانب إلزام التاجر الإلكتروني بامتلاك موقع إلكتروني.

وتقف العديد من العراقيل التقنية أمام ازدهار أي اقتصاد رقمي في الجزائر، وعلى رأسها الأميّة الرقمية، ففي ظل وجود أعداد كبيرة من أفراد المجتمع الجزائري الذين لا يتحكمون في أبجديات تشغيل أو استخدام الأجهزة الذكية وما يرافق ذلك من استيعاب للخدمات الأساسية والرقمية، سواء الرسائل النصية أو البيانات التي توفرها تطبيقات الجوال الأساسية، وهذا ما يمكننا اكتشافه بسهولة حينما نرى منظومتنا التربوية تفتقد إلى بنية أساسية تتمثل في المدرسة أو المؤسسة التعليمية الإلكترونية التي تستخدم الحواسيب والألواح الإلكترونية والسبورات التفاعلية بدلا عن الوسائل التقليدية، عدا عن الضرورة الملحة لدمج الأميين رقميا في دورات محو الأمية الرقمية، واكتساب المعارف الأولية في هذا السياق، سوف يحدّ هذا العائق بشكل كبير من انتشار هذا النوع من الاقتصاد وسيقلل من كتلة الزبائن والمستهلكين والتجار داخل السوق الإلكترونية، الأمر الذي سيؤثر على نمو هذا الاقتصاد وبالتبعية على جميع مؤشراته، على غرار التشغيل والاستثمار والاستهلاك وغيرها.

ويتمثل العائق الثاني في بناء اقتصاد رقمي جزائري في الأمن المعلوماتي وتأمين الأجهزة الذكية والحواسيب وتوفير حلول أمنية للزبائن للحماية ضد البرمجيات الخبيثة، وخصوصا معضلة التخوف من إعطاء البيانات والمعلومات الشخصية وخاصة رقم الحساب البنكي وبطاقة الإئتمان، وهو أمر يعيق المعاملات والمبادلات عبر وسائل الاتصال.

هناك أيضا عراقيل تتعلق بالرسوم المتزايدة على الهواتف الذكية وارتفاع تكلفة خدمة الأنترنت عالية التدفق، إضافة إلى التخلف الرقمي، ففي حين تستخدم دول وشعوب تقنيات الجيل الخامس، لا تزال العديد من المناطق في الجزائر لم تعرف دخول خدمات الجيل الرابع للاتصالات عبر الجوال.

وتقف عراقيل أخرى تتعلق بالتغطية المالية ووجود شريحة واسعة من المواطنين لا تتعامل مع البنوك لأسباب مختلفة وعلى رأسها مسألة مطابقة تلك المعاملات للشريعة الإسلامية، كحجر عثرة أمام أهم اقتصاد بديل للمحروقات على الإطلاق يقوم على المعرفة والابتكار.

هناك أيضا مشكلة تأخر الحكومات الجزائرية المتعاقبة عن تبني حلول تكنولوجية؛ من قبيل الحكومة الإلكترونية والمدن الذكية أو ما يعرف بمدن المستقبل من أجل تخطيط وتسيير أفضل وأنجع، بالإضافة إلى أهم إجراء في هذا الصدد والمتمثل في إنشاء وزارة للاقتصاد الرقمي، تأخذ على عاتقها النهوض بهذا القطاع الحديث، وهي إجراءات من المفروض أن تأخذها الدولة على محمل الجد، حيث أن بإمكانها أن تكون عاملا مهما في انتعاش وازدهار الاقتصاد الرقمي.

حلول ناجعة لجسر الفجوة الرقمية للاقتصاد الجزائري

وحتى تتمكن الجزائر من جسر هوة الفجوة الرقمية التي ستؤثر عليها كثيرا في حال بقائها مكتوفة الأيدي، بل إنه من المحتمل جدا أنها ستزداد اتساعا في حال لم يتم التحكم جيدا في تفاصيل هذا الاقتصاد، الأمر الذي سيكبدنا الكثير من الخسائر المالية، وسيحرمها من تنويع اقتصادنا والتخلص من الارتهان إلى اقتصاد النفط.

على المسؤولين على قطاعات الاتصالات والمالية وجميع القطاعات الاقتصادية أن يهتموا، كل حسب مهامه ووظائفه المنوط بها، ببناء قاعدة صلبة للاقتصاد الرقمي، وذلك من خلال:

  • نشر شبكات أحدث أجيال الاتصالات، حيث سيوفر ذلك ربطا واسع النطاق واتصالات عالية السرعة، وهو ما سيشكل بالنسبة للجزائر منصة رقمية حقيقية تسمح لها بمواصلة إرساء دعائم اقتصاد رقمي، الأمر الذي يتيح التكيف مع الوسائل الحديثة للدفع المالي من أجل تسهيل حياة المواطنين والمساهمة في تتبع أفضل للعمليات المالية.

  • دمج الاقتصاد الرقمي وعصرنة الأنظمة المالية في وزارة منتدبة واحدة، طالما أن الوظيفتين متكاملتين، كما أن عصرنة الأنظمة المالية تعتبر جوهر الاقتصاد الرقمي والتي ينبغي أن تشهدها البنوك ومديرية أملاك الدولة والضرائب والميزانية والجمارك.

  • تحضير المناخ للبنوك العمومية والخاصة على حد سواء، من أجل الانخراط التام في العملية خدمةً للمستهلك الجزائري والاقتصاد الوطني.

  • الانفتاح بصورة حقيقية وبشكل واسع، على القطاع الخاص في مجال الاقتصاد الرقمي وتكنولوجيات الإعلام والاتصال.

  • تقليص الحواجز بغرض الحصول على الخدمات المصرفية الرقمية، وزيادة الشفافية والحد من تكاليف التحويل المالي والقضاء على الغش والفساد.

  • وضع قيد الخدمة تقنية الدفع الإلكتروني عبر النقال ومسايرة المعاملات البنكية والمالية لتكنولوجيات الإعلام والاتصال، ليشمل ذلك جميع الشركات المفوترة و تعميقه نحو المؤسسات التي تقدم خدمة التسليم الفوري لسلعها وخدماتها، والأخذ بعين الاعتبار دور الأموال النقالة في التنمية الاقتصادية والمساهمة في تطوير الاقتصاد البديل.

وفي هذا الصدد يعد النظام الفعال الخاص بالدفع الإلكتروني وفضاء الأنترنت الآمن والصناعة الرقمية القوية نواة الاقتصاد الرقمي، وتخص أساسا قطاعات المالية والبنوك وتكنولوجيا الإعلام والاتصال والصناعة.

  • تعميم استعمال وسائل التحويل المالي الحديثة، وتوحيد الأنظمة المالية وتحديث عمليات الدفع المالي، مما سيسمح بتحسين سرعة المعاملات والحد من النقود المتداولة في السوق الموازية.

  • تعزيز أنظمة الدفع عبر تجهيز المساحات التجارية بأجهزة الدفع الإلكتروني، موازاة مع تعميم استخدام البطاقات البنكية، والاستفادة من خبرات وتجارب الدول الرائدة في هذا المجال.

  • حماية البيانات الشخصية للمستهلكين، ما يسمح للزبائن من الاستفادة بصفة كلية وبكل أمان من التكنولوجيات الحديثة للمعاملات التجارية، في ظل اعتماد قانون للتجارة الإلكترونية ونصوصه التنفيذية.

  • وضع أسس محيط للاقتصاد الرقمي بشكل يسمح بضمان نموه وديمومته والتحقق من جعله مفيدا للاقتصاد الوطني، حيث أن ذلك يمثل مشروع مجتمع ذو طابع شامل، يهم الجميع أفرادا ومؤسسات وخصوصا المتعاملين الاقتصاديين، ومشروع المجتمع هذا يتشكل من جوانب تكنولوجية وتقنية وجانب خاص بالحوكمة حول رأس المال من الموارد البشرية التي تتوفر على الكفاءات والخبرات.

بقلم/ فريد بغداد

مروان الشيباني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: