حوار مع الروائي الجزائري الحبيب السايح المدرج على القائمة الطويلة للجائزة الدولية للرواية العربية 2019

الحوار أجرته معه لينكس كالي محررة في صحيفة “أرابليتي”، وقد تم نشره على دزاير توب بعد أخذ موافقة الروائي الحبيب السايح.

تم مؤخرا إدراج الروائي الجزائري الحبيب السايح على القائمة الطويلة للجائزة الدولية للرواية العربية عن روايته”أنا وحاييم” Me and Haim. وعما قريب سينشر مقال عن الرواية – التي تتبع جزائريين ، الصيدلاني اليهودي حاييم بن ميمون ، ومعلم الفلسفة الإسلامية أرسلان حنفي ، اللذين نشأا معاً وكلاهما ناضل ضد الاحتلال الفرنسي.

وقبل ذلك ، أجرت محررة “أرابليتي”، إم لينكس كالي ، حوارًا قصيرًا مع السائح عبر البريد الإلكتروني حول خلفيات الرواية ، والبحوث التي تناولتها ، والمشكلات التي تواجه الأدب الجزائري والنشر ، وأشياء أخرى:

لماذا اخترت الكتابة عن المسلم واليهودي اللذين يعيشان معا تحت الاحتلال؟

الحبيب السائح: 
أحببت، من خلال تخييل العلاقة بين جزائريين أحدهما مسلم والآخر يهودي، أن أكسر قوقعة طابو الحديث عن اليهود الجزائريين الذين عاشوا في البلد منذ أكثر من عشرين قرنا؛ الذين انضاف إليهم المهاجرون الفارون من محاكم التفتيش في إسبانيا فكانت الجزائر أرض أمان وسلام لهم.
ثم إن اختياري الكتابة عن تلك العلاقة كان نابعا من قناعتي بأن اليهود الجزائريين شكلوا جزءا لا يتجزأ من مكونات البلد البشرية والتاريخية والثقافية؛ فإنهم كانوا يتكلمون اللغة نفسها (اللهجة الجزائرية أو العربية أو الأمازيغية). ويلبسون اللباس التقليدي نفسه. ويحضرون الأطعمة نفسها. ويتقاسمون الجيرة والعوائد. ويعزفون الموسيقى نفسها. ويغنون الأغاني ذاتها. وكان لا يفرق بينهم سوى الديانتين.
والأكثر من العاملين المذكورين أعلاه هو انخراط كثير من اليهود الجزائريين في حرب التحرير إلى جانب مواطنيهم من المسلمين؛ وقد أعدمت سلطات الاحتلال الفرنسية بعضهم وقتلت آخرين أو طاردتهم. فحملت رواية ” أنا وحاييم “، من بين ما حملته، شهادة لتخليد ذلك التعايش الذي ظل لمدة قرون قائما بين الجزائريين، مسلمين ويهودا، إلى أن وقع الاحتلال، الذي أحدث أول شرخ بإقراره قانون كْريميو (1870). 

لماذا هناك المزيد من الروايات – في السنوات العشر الماضية – حول اليهود العرب؟

الحبيب السائح:
صدقا. أنا لا أملك معطيات دقيقة عن الموضوع. ولكني، من باب أني اطلعت على بعض تلك الروايات، أستطيع أن أزعم أن الأمر مرتبط بمحاولة الحفر في أسباب تلك الشروخ التي حدثت في النسيج الاجتماعي الذي كانت تتشكل منه المجتمعات العربية قبل الحرب العالمية الثانية وحرب 48. وستكون القضية الفلسطينية، لاحقا، من أهم العوامل الدافعة، في اعتقادي، إلى طرح الأسئلة حول مواعيد التعايش المجهَضة.
ورواية “أنا وحاييم” لم تتهرب من طرح سؤالها المؤلم: ماذا كانت ستكون عليه الجزائر اليوم لو لم يقع الشرخ، فقبِل الأوربيون والأقدام السوداء وكثير من اليهود سلطة الدولة الجديدة بعد الاستقلال؟ 

هل لديك جيران يهود؟

الحبيب السائح:
اليوم، ليس لي جيران يهود. ولكني، وأنا طفل، كنت أرى بعضهم من سكان مدينتي (سعيدة) قبل أن يختفوا مع بداية الاستقلال. وحينها كنت لا أفرق بينهم وبين غيرهم من السكان الأصليين؛ للباسهم ولهجتهم. كما أن ذاكرتي لا تزال تحتفظ بما كنت أسمعه عن العلاقة الطيبة جدا التي كانت بين الجيران (مسلمين ويهودا). وما زلت إلى اليوم أعرف مساكن، في المدينة، كانت تقيم بها عائلات يهودية. ولا أزال، إلى اليوم، أمر على مقبرة اليهود في ضاحية المدينة الجنوبية. ثم إنك حين تجاذب الشيوخ والعجائز حديثا عن جيرانهم من اليهود غالبا ما يذكرون لك أسماءهم وشوارع سكناتهم؛ ومِن أولئك الشيوخ والعجائز (أو أحفادهم) من لا يزال يقيم في تلك السكنات في المدينة.

هل قمت بعمل رواية تاريخية للرواية؟

الحبيب السائح:
نص مثل “أنا وحاييم” اقتضى مني حفرا مرهقا في الجوانب المتعلقة بتخييل العلاقة التي ربطت بين حاييم “اليهودي” وبين أرسلان “المسلم”؛ وهي علاقة تاريخية محورها إنساني ومحركها سؤال الهوية وهمها التعايش. ونظرا لحساسية الموضوع، التي لا تقبل الخطأ ـ أيا كان نوعه ـ تحتم علي أن أبذل جهدا كبيرا في تجميع المادة التاريخية الثابتة ودراستها وطرح أسئلة حولها لتتسنى عملية إدراجها ضمن سياق التخييل الأكبر.
وعليه، يمكن القول إن المادة التاريخية، بالنسبة إلى النص، كانت المسوغات الفكرية المقترحة للقراءة؛ باعتبار أننا لا نكتب رواية إلا لتقرأ من أجل فتح نقاش. وأعتقد أن هذا الحوار ـ الذي يعد حاشية على النص ـ هو جزء من النقاش. 

من هم الروائيون المفضلون لديك؟ ما هي رواياتك المفضلة؟

الحبيب السائح:
مثل جيلي كله، في مرحلة الوعي التي تلت المراهقة التي كانت لها قراءتها العاطفية والمغامراتية المختلفة، قرأت الأدب الفرنسي. وكان فيكتور هوغو أهمهم ببؤسائه. والأدب الروسي الكلاسيكي. وكان دستويفسكي بـ”الجريمة والعقاب” خاصة. ولاحقا، كان غوركي في “الأم” أهم من ترك بصماته على خيالي. ثم شتانبيك في “عناقيد الغضب”. وهيمنغواي في “لمن تقرع الأجراس”. وفوكنر في “الصخب والعنف”. ونجيب محفوظ في أغلب أعماله. والطيب صالح في “موسم الهجرة إلى الشمال” ومحمد ديب في ثلاثيته الأولى. وعبد الحميد بن هدوقة في “ريح الجنوب” والطاهر وطار في “اللاز”. ومع الوقت، كان سيدخل ضمن القائمة روائيون لهم تأثيرهم التقني خاصة، أمثال: غارسيا ماركيز في “خريف البطريرك” خاصة. وأستورياس في “الريح القوية”.
إذ أذكر هؤلاء الكتاب فإنه ليس غالبا للموضوعات التي تناولتها أعمالهم ولكن للتقنيات التي أنشأوا بها نصوصهم. شخصيا، إذ أقرأ رواية ما فإنما كثيرا لأستفيد من تجربة كاتبها التقنية؛ ما تعلق بجانب التركيب خاصة. 
أما رواياتي المفضلة، إن كان القصد ما كتبته أنا، فإنها “تلك المحبة” و”الموت في وهران” ثم “أنا وحاييم” خاصة؛ فإنه لم يسبق لي، مع رواية من رواياتي قبلها، أن أعدت قراءتها أكثر من مرة مثلما فعلت بعد صدورها في كتاب.

ما أهمية “دار ميم” للكتّاب الجزائريين والأدب الجزائري؟

الحبيب السائح: 
تعاملي مع “دار ميم” ـ بالشراكة مع دار مسكيلياني ـ لنشر ” أنا وحاييم ” أملاه خطها المعتمد، أصلا، على ما هو أدبي صرف (رواية وقصة قصيرة وشعر ونقد)، مثلها مثل دار مسكيلياني. وهو خيار واعٍ جدا بأهمية الإسهام في تفعيل الحركة الأدبية في العالم العربي، برغم ما يسبب ذلك، في عالم النشر، من مغامرة ومن متاعب.
لذا، فإن “دار ميم” تعتبر اليوم أهم دار نشر، في الجزائر، تعنى بنشر النصوص الأدبية ذات القيمة المضافة ونوعية الطباعة المحترمة جدا. فهي تُعد اليوم، في ساحة النشر، أحد الروافد المهم للأدب الجزائري وموقع استقطاب لكثير من المواهب الأدبية في الجزائر. وإني، بالمناسبة أحيي جهدها، هي ومسكيلياني، في إخراج “أنا وحاييم” في حلتيها الجميلتين. 

ما هي أكبر المشكلات التي تواجه الأدب الجزائري والأدب العربي؟ ما هي أكبر المزايا؟

الحبيب السائح:
لعله في مقدمة تلك المشكلات المتنوعة يأتي التوزيع عبر العالم العربي؛ نظرا إلى معوقات الجمركة وصعوبة تنقل النصوص من بلد عربي إلى آخر، في ما عدا مناسبات المعارض الدولية التي، للأسف، تشتغل فيها الرقابة بشكل قاسٍ على أعمال كثيرة وحتى على تلك التي لكتاب من البلد المنظم نفسه. ثم إنه لا ينبغي نسيان هضم حقوق المؤلف، أحيانا. وتفشي ظاهرة القرنصة التي تطال دور نشر محترمة.
أما في الجزائر فإن المشكل الأساس هو الطباعة التي لم ترق بعد إلى درجة من الاحترافية. ثم التوزيع في الداخل ونحو الخارج. وفوق هذا وذاك، يواجه الأدب العربي والأدب الجزائري كليهما رهان المقروئية التي تحتاج إلى تصور آليات جديدة للتحفيز عليها في العالم العربي.
أما المزايا فإنها، طبعا، تلك المعارض الدولية التي تُعد، برغم ما يسجل عليها من نقائص، أهم حدث لتسويق الكتاب والترويج له. ثم المؤتمرات والندوات المتخصصة التي تتناول الأدب العربي ـ الرواية خاصة.
وإنه لا يمكن إنكار ما تسهم به الجوائز في البلدان العربية في خلق حركية أدبية متسمرة في شكل تصاعدي من حيث الكم المعتبر للنصوص المشاركة في هذه الجائزة أو تلك؛ حتى ولو كان، كما تثبت ذلك القراءات، كثير من تلك النصوص تحتاج وقتا للنضج. وقد لا يختلف اثنان حول حتمية أن يكون ضمن الكمية نوعيةٌ مهمة وذات اعتبار.

ولتعميم الفائدة تمت ترجمة الحوار، آليا، من الإنكليزية إلى الفرنسية. 
https://arablit.org/…/habib-al-sayah-cracking-the-shell-of…/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: