آخر الأخبارأقلام دزايرالحدث
أخر الأخبار

شيتة .. بصّح عندها النّيف..بقلم/ فريد بغداد

شيتة..بصّح عندها النّيف

يحكى أنه في عصرنا البائس هذا ، و في بقعة من بقاع هذا الوطن الحزين ، كان هناك زوج أحذية ؛ أيمن و أيسر ، كان صاحبهما يضعهما عند عودته من العمل في زاوية من زوايا منزله ، على الأرض بالقرب من أدوات التنظيف و وسائل تلميع الأحذية ، و في فجر كل يوم يأتي صاحب المنزل عند تلك الزاوية يلمع حذاءه ، ثم ينصرف إلى عمله .

و في مرة من المرات و بعدما أغلق الباب عند خروجه ، تلفت ” السيراج ” نحو ” الشيتة ” غاضبا : ” أوووه .. ، تبّا لكِ لقد آلمتني بشدة و أوجعتني كثيرا ، كلّما انغمستِ بداخلي و سحبتِ جزءا من دهني الغالي إلاّ و أحسست بروحي تخرج من العلبة و تدخل في ثقوب إسفنجك المقرف، و عندما تلعقين الحذاء و تفـركين جلده الخشن بشدّة أشعر كأنّني أُطحن بينكما ”

ردّت عليه ” الشيتة في تضجر و تأفف : ” و ما ذنبي إذا كان ذلك الحذاء الفائح لا يريد أن يبقى نظيفا ، و لا يحلو له المشي  إلا على الوحل و الغبار و بين أدخنة السيارات و زيوتها و شحومها ، لماذا لم تلمه قبل أن يخرج ؟ أم تراك لا تحسن النّقد إلا معي ” .

تدخلت ” الجفّافة ” قاطعة عليهما حوارهما : ” و ماذا عساي أقول أنا ؟ هل رأيتما مساحة الأرض المتسخة بغرقة هذا الصباط اللعين و زبالته ؟ كل يوم ألعقها و أشرب ماء الأرض و أعتصر فوق الدلو لأفرغ ما في بطني و أتقيأه ” .

في هذه اللحظة وقفت المكنسة على شعرها ، و بدأت تقفز كي تزيل عنها ما علق بها من تراب و نفايات : ” كم تكثرون من التشكي و أنتم لا تفعلون شيئا ، لقد ” طاب ” رأسي من كثر كنس الفناء و أرضه الترابية المليئة بالصخور و الحجارة ، و تمزق شعري و تنتف ، و كم من مرة انكسر مقبضي ، ليتني كنت فروطوارا أمسح البلاط و ألعق ” لادال دو صول ” ، حقا إنني أحسدكم على أعمالكم السهلة ” .

من المطبخ سمعت ” الحبيلة ” ضجيج أدوات التنظيف فأطلت عليهم بابتسامة ممتزجة بكدر الأشغال الشاقة و ما تلاقيه من عناء في حك الطناجر و الأواني : ” و ماذا أقول أنا التي أجبر على لعق القدور و الطواجين و المراميط القاسية ، و أكل ما علق بها من شحوم و فحم و دخان ” .

ردت عليها ” الكيّاسة ” من الحمام بقهقهة لا تتوقف : ” من منكم يأتي في مكاني و أمسك بدلا عنه ليوم واحد فقط ، فقد قرفت من رائحة صاحب المنزل و زوجته و أبنائه و عرقهم و وسخهم ” .

و في خضم هذه الحوار المليء بالتشكي و السخط و الامتعاض ، دخل صاحب المنزل و نزع حذاءه كعادته و وضعه على الرّف و توجه نحو الأريكة المقابلة للتلفاز و ألقى بجسده عليها و ما لبث أن راح في نومة عميقة كأنه شرب قبلها قارورة مشروب منوّم .

بدأت الشيتة تتحرك و تهزّ كتفيها و تصدر صوتا رخيما وناعما تغازل به الحذاء : ” سيدي كيف كانت رحلة اليوم ، إنك تبرق و تلمع و رائحتك عطرة و فواحة ، يبدو أن صاحبك لم يتعبك كعادته ” ، التفت إليها ” السيراج ” متجهما و بصوت خافت أسرّ لها : ” أغلقي فمك و إلا سأضطر إلى فقدان المزيد من دهني و تحمّل آلام دعكك على نعله النتن ” ، تدخل الحذاء أيمن ضاحكا : ” اليوم كاد أيسر أن ينزلق عندما وضعه صاحبنا على بلاط الرصيف حينما نزلنا من السيارة ، كانت السماء قد أمطرت لتوّها ، لولا أنّ صاحبنا سيطر على توازنه و استوى واقفا ، لقد شبعت ضحكا على أيسر ” ،  رد عليه الحذاء الأيسر مغتاظا : ” أغلق فمك ، أنسيت ما حدث لك عندما أراد صاحبنا أن يستعيد توازنه فرفعني من على الأرض و ضغط عليك بشدة كدت أن تنفجر من شدة وطأتها عليك ، و قد صدر صوت من مؤخرتك ، جعلني لا أمسك نفسي من الضحك ” ، لم يكد أيسر يكمل كلامه حتى فاجأه أيمن بركلة على خده الأيمن انحل من شدتها الكوردون : ” بلع فمك يا وحد اليهودي … ” ، لم يتمّ أيمن شتيمته حتى ابتدره أيسر بضربة على أنفه طار من قوتها مسمار من فمه ؛ ” يا وحد الشادي قلت لك ما تسبنيش قدام أدوات النظافة ” ، و قبل أن يبدأ العراك سمع الجميع صوت صاحب المنزل يتنحنح ، و يمسك جهاز التحكم و يشعل التلفاز فساد المكان صمت مطبق .

في الشاشة امرأة على منبر يعلوه ميكروفونات تخطب في جمع من السياسيين و رجال الإعلام ، و في المنزل الكل مشرئب الأعناق نحوها ، الأحذية و أدوات التنظيف و التلميع و الغسيل ، تنفعل المرأة وتصيح : ” أنا أكبر شياتة في العالم لم يحدث أن وُجدت التاريخ ” ، اغتاظ صاحب المنزل من كلامها و رد عليها بسباب و بصاق : ” تفوه عليك يا وحد الشياتة ” ، لم يتحمل المسكين فظاعة المشهد فراح مغيّرا القناة ليصطدم بمشهد يشبهه غير أنه بدلا من المرأة كان رجل يخطب رافعا عقيرته بتمجيد رئيس البلاد المفدى ، و يطلب منه أن يلتفت لحاله البائسة و حال حزبه و الأحزاب التي تشبه حزبه و يغدق عليهم بأفضاله و نعمه و يقسّم عليهم الغنائم .

عند هذه اللحظة استشاطت الشيتة غضبا و أطلقت سيلا من الشتائم و البصاق في وجه ذلك الخطيب و هي تقول : ” كنت أحسب أنني و إخوتي ؛ الجفّافة و البروصة و الفروتوار و المكنسة و الكيّاسة و الحبيلة أكثر المخلوقات انحطاطا و وضاعة ، غير أنه يبدو أن هناك من يفوقنا خسّة و دناءة و نذالة ، تفوه عليكم ، لستم سوى كائنات أرضية منبطحة تتمسح بالبلاط لتلعق أسفل نعال أسيادها التي تأنف إسفنجتي أن تنزلق على قذارتها ” يا وحد المخنزين ” .

مقالات ذات صلة

إغلاق