آخر الأخبارأقلام دزايرالحدث

السرقات الأدبية أيضا حرام..بقلم/فيروز بشير شريف

_أحدهم يكتب فقط ليمارس فعل الكتابة..والآخر يكتب ليمارس حياته من خلال فعل الكتابة الذي يمارسه..أحدهم نظرته للكتابة نظرية مادية وقتيّة..والآخر نظرته للكتابة نظرة عارية من المادّة والوقت ..الكتابة بالنسبة له طريقة حياة لم يخترها بل وجدها معه..وجميعنا نعلم بأنّ عوالمأهل الحرف عوالم مختلفة جدّا ..وأولئك حين يكتبون لا يقدمون أطباقا شهية من الحروف لغيرهم بقدر ما يقدمونهم هم أنفسهم..وَيْ كأنّهم ارتضوا أن يكونوا وجبات فكرية للكثيرين بشرط أن يُسمح لهم بأن ينزفوا كلما أرادوا حروفا !

طبعا هذا لا يعني بأنّ ما يكتبونه قد عاشوه أو يعيشونه..فالكاتب الحقيقي غير المزيف يكتب الجميع ويقرأ الجميع ويجد الجميع أنفسهم فيما يقدمه من أعمال أدبيّة..لأنّه ببساطة هو المبدع الذي يعيش غيره لكن لايستطيع غيره أن يعيشوه..الكاتب الحقيقي أيضا يتواجد في جميع أعماله بغزارة وذلك بلمساته و حضوره بجانب شخصياته الورقية أو حروفه الحبريّة..لأنّ صدقه طاغٍ على ما يكتبه..

لحد الآن الأمر جميل جدّا..لكن ما ليس بجميل وليس بلائق وليس بمقبول..هو أن ينتهك أحدهم عوالم غيره ويأتينا دون أدنى شعور بالعار وينقل لنا باسمه ماليس له..السرقات الأدبية ليست كما يعرفونها ..مجرّد انتحال نصوص معينة ونسبها للذات مع تغييب اسم صاحبها..السرقات الأدبية هي عمليات سطو موجعة لأجزاء إنسان آخر..السرقات الأدبية هي عمليات نهب ذاكرة قلب كاتب..ودون مبالاة ودون شعور بالذّنب..وهذا الجرم الأخلاقي انتشر وبكثرة في مواقع التواصل الاجتماعي..حيث أصبح الجميع شعراء وأدباء ومفكرين وفلاسفة..الأمر لا يكلف إلا دقائق معدودات..نسخ نص معين وإعادة نشره ..مع تزويقه في الأخير باسم الناشر غير الأصلي..وأحيانا نسخ وإعادة نشر دون لفت انتباه المتلقي في الأخير بأنّ النص منقول..

لم يسلم من السرقات الأدبية لا المشاهير من الكتاب ولا المجهولين..كل نص يثير إعجاب أحدهم مهدّد بالسّرقة..سرقات مازوشيّة تتعرّض لها نصوص كثيرة..ويحضرني هنا فيلم الكلمات(the words)..فيلم يعالج هذه الظاهرة بطريقة ماتعة..ومن شاهد الفيلم لابدّ وأنّه لمس كم الوجع الذي يُلحقه السارق بالكاتب الأصلي للنّص..وإن كان المقام هنا لا يسعني للتفصيل أكثر عن الفيلم وما جاء فيه..لكن وباختصار “الفيلم يكشف حقيقة موجعة وهي صعود بعضهم بأعمال أدبية ليست لهم..كما يبين للمشاهد وهم الشهرة الوهمي..وفرح بعضهم المخبول بإطراءات غيرهم مع علمهم التّام بأنّ ما يقومون به كذب وغش و خداع..الفيلم تجتاحة سرديّة أنيقة لكن النهاية مشتّتة ولكل منا قراءات تناسب عقله ورؤاه.”

مايهم ممّا ذكرته هو وعي المشاهد بعد مشاهدة أحداث الفيلم بشناعة السرقات الأدبيّة أو الإغارات الأدبيّة!

وإن تناول النقاد القدماء والمحدثين موضوع’السرقات الأدبيّة’..وجعلوه على طاولة نقاشاتهم وفي كتاباتهم..حرِيٌ برجال الدّين أيضا أن يفعلوا ذلك..وإن كانت سرقة الأموال والذهب والفضة حرام..فالسرقات الأدبية أيضا حرام..

فيروز بشير شريف

مقالات ذات صلة

إغلاق