آخر الأخبارأقلام دزايرالحدث

الله غالب هذا الحاضر ..بقلم/ فريد بغداد

كثيرة هي الأشياء التي نخسرها و لا نتمكن من أخذ تعويض عنها ، و مع تراكم الخسائر التي يتسبب فيها غالبا فشل الآخرين عبر مرور الزمن نكون بإزاء خسارة مجلجلة عابرة للقارات ، و لو يستسلم الواحد منا للتفكير في حجم ما خسره طوال حياته التي يتذكرها فقط – مع أني لا أعتقد بنظرية نسيان الخسارة – فإننا سنصاب بالصدمة من هول الكارثة التي حاقت بنا و من الأعمار التي ضاعت منا بسبب التأخير ، و المصالح التي فاتتنا بسبب الإهمال و الأموال التي خسرناها بسبب فشل الآخرين في مشاريعهم و مقاسمتهم لنا فشلهم بإشراكنا معهم في الخسارة ، رغم أننا لم نكن نشترك معهم بدايةً في الربح .

ذات مرة وقفت على حادث سير مروع ، شاهدت سيارة يقودها صاحبها و فجأة ارتطمت سيارة مسرعة ببابها الخلفي عند مفترق طرق مما تسبب لها في أضرار بالغة ، نزل صاحب السيارة ليرى حجم الأضرار التي أصابتها و قد اغرورقت عيناه بالدموع ، و حينما ذهب يعاتب السائق المعتدي ابتدره بكلامه : ” اسمح لي خويا لم أرك ” ، انتابت الرجل الدهشة و راح يرمق سيارته المحطمة بالطول و العرض ، و لعله دار في خلده أنها شفافة لم تمكن صادمها من رؤيتها ، أجابه يا أخي كيف لم ترني يعني ؟ ، قال له : لقد قلت لك سامحني ، رد عليه : و هل ستعوضني ” سامحني تاعك ” ما خسرته ، أم سأحوّلها في البنك إلى نقود ، قال له : لا تكثر معي الكلام ، بيني و بينك ليسورانص .

على الرغم من فداحة الخسارة التي تلقاها صاحبنا و لأنني أعتقد بيقين شبه مؤكد أن نمط تأمينه لا يشمل الحادثة التي ألمّت بالسيارة فأغلب الجزائريين يميلون لتأمين الحد الأدنى من الحوادث التي قد تصيب سياراتهم ، و هو ما يجنبهم متاعب حواجز المرور فقط ، أو ما يطلقون عليه ” ظالم و مظلوم ” و إلا لو كان الأمر بأيديهم لما قاموا بالتأمين على سياراتهم أصلا ، إلا أنه داهمتني فكرة لو طبقناها لحماية ممتلكاتنا من غلطات الآخرين و تعديهم على أعمارنا و أرزاقنا لتمكنا من تعويض خسائرنا على الأقل .

و طالما يرفض المعتدي أو المتأخر أو المهمل الذي تسبب لنا في الكوارث أن يقر بجرمه فضلا عن أن يتحمل مسؤوليته في ما حصل فلا حلّ إلا في أن يؤمّن الناس عن حوادث التأخير و التماطل و التسويف ، لكن ليس تأمين ” ظالم و مظلوم ” ، يجب أن يكون التأمين شاملا لجميع أنواع مخاطر الفشل الآدمي .

بدأت أفكر في العبارات التي يستوجب تحجج صاحبها بها حصول غريمه على تعويض من شركات التأمين فوجدت كلاما من قبيل : ” اسمح لي ، ما شفتكش ، صرا اللي صرا ، تطفرت ، كانت باينة تكمّل كيما هاك …” ، خطر ببالي كم كان الشعب التونسي بائسا ؛ ليته أمّن على ثرواته و مقدراته يوم قال له زين العابدين ” آني فهمتكم ” ، و بعد ماذا ؟ بعد ربع قرن من النّهب .

غير أنه استوقفتني عبارات شهيرة تدور حول المعنى ذاته و المبنى عينه ، و التي غالبا ما نبرر بها إخفاقنا الذريع ، على غرار ” الله غالب ، المكتوب ، تحتمت … ” ، و هنا سيجد المرء نفسه أمام معضلة تشبه الردع النووي الحاصل بين أمريكا و كوريا الشمالية ؛ لا ظالم و لا مظلوم ، لا غالب و لا مغلوب ، إن اعترض على المحتج بهذه العبارات سيُعتبر مشككا في قضاء الله و قدره و إيمانه ينقصه ركن من الأركان الستة ، و إن طالب بالتعويض فسيصبح من آكلي السّحت و المال الحرام ، إنّ حوادث من هذه الشاكلة لا ينفع معها حتى التأمين الشامل .

مرّة أخطأت في حق زميل لي في العمل نتيجة لتأخري عن موعد سداد دين له ، و عندما عاتبني على ذلك قلت له ” الله غالب ” ، قال لي : أتعرف أنّ هذه العبارة من كثرة ما يقولها الشعب الجزائري أصبحت من خصوصياته التي تميزه عن باقي شعوب العالم ، حتى أنها وُضعت على علمه ، فاستغربت و قلت له ، لكنني لا أرى غير النجمة و الهلال ، أجابني : ” أرأيت حينما تريد رؤية صورة الأمير على الأوراق النقدية كيف تفعل ؟ قلت نعم ، قال : إفعل مع العلم ما تفعله مع النقود و ستراها ” .

يقال أن الجزائر عند استقلالها كانت بنفس مؤهلات كوريا الجنوبية ، لكن الفرق اليوم واضح ، ما الذي حدث إذن ؟ حكومات مرّت و جحافل من الوزراء و المسؤولين تداولوا على تسيير شؤون الشعب الجزائري و في المحصلة لا تزال الجزائر تقبع في المؤخرة في كل شيء ما عدا الفساد و الفشل فإننا في مصاف الدّول الفاسدة و الفاشلة ، غير أنّ مسؤولينا لا يقرّون بذلك ، و لا يعترفون لك بتسبّبهم في إجهاض حلم شعب بأكمله في أن يرى نفسه بعد ستٍ و خمسين سنة من الإستقلال في مثل مكانة كوريا الجنوبية ، فمن يعوضه عن هذا الحرمان يا ترى ؟ ليتنا أمنّا على الفساد و الفشل طوال هذه الفترة الطويلة ، على الأقل كان الشعب سيضمن عندها مداخيل تجنّبه الوقوع في غوائل التّقشف و تغنيه عن تقلبات أسعار النفط .

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق