أخر الاخباراقلام دزايرالحدث

لماذا أحبّ أحلام مستغانمي.. بقلم / نسيبة عطاء الله

نسيبة عطاء الله

أنا ابنة رجلٍ قتله الحبّ، وامرأةٍ بجميع الأمراض المزمنة التي سبّبها لها الحبّ، بأكياس أدوية وسلّات أعشاب لا تزال تتنفّس وتقف بالحبّ، نبتَ عودي وسط عائلة رأيتُ كيف حين خرجت منها التوابيت متلاحقة وسقطت أعمدتها تِباعا بقيت مستندة على الذّكريات، بكثير من الحبّ الذي يجعلها تبكي في الأعراس بالشّدة التي تضحك بها في الجنائز، وأعرف جيّدا كيف أسقط الحبّ رجالا كانوا يفتّتون الحجر، ونساءً انحنين مبكّرا بالحبّ، كيف يركضون حبّا إلى أحدهم الذي فقط آلمته ضرسه، أو تعثّر بحجر، بذلك الحبّ أصبحت في هذا السّن الصّغير أعيش بروحٍ طفلة وقلبٍ بلغ عتيّا بالفقد فاتّسع ليحضن الكون بإسره.. أنا نُسيبة العطاء التي تمدّ لكَ نِياطَ قلبِها لتنقذكَ مِن غرق، وحتّى لو تمزّقت ستحضنك بفرح غامرٍ لأنّك خرجتَ سالما وتنزِفُ بسعادة، تخفي دمعها بابتسامة الرّضا لأنّ الآخرين أهمّ عندها من نفسِها، إلّا.. إلّا وسِوى وما عدا وقَلى وخلا شخصا قال لها أنتِ معتوهة.. فقلبي ليس تافها، قلبي نبيّ ورسول وقدّيس..

في حصّة من حصص الأدب العربي التي كانت تدوم لساعتين عند أستاذي العزيز بومعزة غشّام في ثانويّة فرحاوي، ذلك الإنسان الذي علّمني كيف التّعليم حياة وحبّ وتضحية، ذلك الإنسان الذي ما كان يحرجه أن يبكي أمامنا على أغنية أو قصيدة، لمعت عيناه يومها حين ذكر أحلام مستغانمي، وقال بروح شاعرة “ذاكرة الجسد” وألقى بعينيه إلى عالَمٍ وحدي أنا رأيتُه. كان عمري خمسة عشر عاما من الأجسادِ التي عانقتُها باردة وجثّة هامدة، لذلك كان عليّ أن أتعرّف على هذه الرّواية التي مجرّد عنوانِها جعل عصافير أشجاري تطير، وسهرتُ ليلتها بغرفتي مثل غابةٍ تلمّست جذورها لأوّل مرّة. ولم أستطع أن أتوقّف …

كنتُ في الثّانوية أستأذن من الأستاذ في لحظات الصّمت وأنزِلُ الدّرج لأجرّب تعاسة عاشق ينزِلُ الدّرج، ولم يمض وقت كثير حتّى عرفت معنى أن تقف على صندوق جثّة مثلّجة، وعرفتُ معنى أن تهدي مخطوطكَ الأوّل لقبر، وكنت أعرف ماذا يفعل اليُتم بفتاة ترى في كلّ رجل يصادفها أبا.. اشتريت دفترا أنيقا بجلد أسود، بصفحات حرّة وقلما أسود وبدأت أكتب بدل مشاهدة سبايستون، وكبُرتُ فجأة على صمتي وهدوئي وشرعت تلك الطّفلة السّاكنةُ تتلبّس بالدّوامات والعواصف والتّيارات الجارفة، حتى كان قد بقي أن تركب طائرةً إلى عشق ما حلُمَت كثيرا أن تجده في شوارع قسنطينة أو في مسرحها.. لم تهدأ تلك الطّفلة لسنوات حتّى تخلّت عن نجاحها في العام الأوّل بالجامعة عن النّظام الكلاسيكي، رمته خلفها، وودّعت عشّها الصّغير ومعسكر عالم القبور الصّغير راحلة إلى قسنطينة باحثة عن أحلام ترشف فنجان قوة في مقهى الموعد!

كان حلمي الأوّل أن أصبح طبيبة، ثمّ حين تعرّفت إلى نفسي جيّدا في العام الأوّل من الثّانوية ودّعت القسم العلمي وانتقلت إلى قسم الفلسفة والآداب لأصبح فيلسوفة أو نفسانيّة، لكنّي حين تعرّفت على أحلام قرّرت أن أصبح أديبة، وأنظر إلى الأشياء الصّغيرة التي كنتُ أكتبها بعينٍ أخرى، ثمّ في لحظات عُريٍ كثيرة وتأزّمات نفسية خرجت من شرنقة الأحلام الزّائفة إلى طريق فهمتُ أنّ اسفلتَها سيكون قلبي، لكنّي رميتُه حجر نردٍ ومضيتُ على جدرانِ موقع نسيان كوم أكتشف مدى المحيطات التي تسكنُني وجمّدتُها، في عالم الرّجال الرّجال والنّساء النّساء اختبرتُ كدجاجة السّكين الأولى، ثمّ لمّا احتفظتُ برقبتي بدأتُ أتقشّر إلى العنقاء الأَبغي، ذهبتُ إلى قسنطينة وأنا صفحة بيضاء مليئة بالحبّ لكنّي لم أجد لا أحلاما ولا أحلامي بل الذين يقتلون الأحلام..

حملتُ حقائبي حتّى قبل أن أستلم شهادة نجاحي، وجررتُها جميعها إلى المكان الذي سأجد فيه سيّارة أجرة، ولم أنظر أبدا خلفي مع أنّي كنتُ أريد أن يموت قاسي هناك…

وضع سائق الأجرة أغنية للشّاب حسني “طلّيت على جبال وهران تكدّر خاطري وشحال بكيت”، كان سيطفئها حين رآني أشهق بمرارة، لكني أشرت له بأن يدعها..

قال لي: هل أنتِ متأكّدة من أنّكِ تريدين الرّحيل؟

فأجبته: هل تعرف أين تسكن أحلام مستغانمي؟

نظر إليّ من المرآة مستغربا، ثمّ التفتَ إليّ وقال: أحلام!

خذني إلى السّانتيفي..

بكيتُ طوال الطّريق إلى وهران، ثمّ إلى معسكر، ثمّ في غرفتي ومرضتُ بالحمّى، ثمّ دخلت المستشفى في حالة طارئة جدّا وقضيتُ أيّاما هناك أتعذّب بالأحلام؟!

وكأنّني ذهبتُ إلى قسنطينة لأتعرّف جيّدا على غابة الحياة التي تتحدّث عنها أمّي، عامٌ واحدٌ جعلني أتفتّت.. وتعرّفت على الكره لأوّل مرّة
كرهتُ قسنطينة، لكنّي لم أستطع أن أكره أحلام، عدتُ مع نهاية عام 2010 إليها لآخذ شهادتي وملفّاتي ومع انقلاب السّاعة والعشريّة الجديدة في اللّيل الأليل وبالطّريق، قلتُ لها “تفوه”.. سرقت منّي هاتفي في اليوم الذي ذهبتُ أركلُها فيه، وجعلتني أفهم أنّها مدينة تسرق فقط، لكن لم يمض وقت طويل حتى اكتشفت أنّها سرقت قلبي للأبد.

كنتُ أتبادل الرّسائل الأدبيّة مع صديق سودانيّ عشق أيضا قسنطينة وأحلام كما عشقتُها، والتقينا في الكتابة على موقع نسيان كوم، وأمضينا السّنوات نحلم بلقاء أحلام وعناقها على جسر القنطرة وما زلنا، ما زلنا حين نكتب عنها ننزف بالطّفولة ذاتها، وعلى أعتاب الثّلاثين كأنّ ذاك العمر سقط من جيوبنا، كلّما التفتنا للبحث عنه في الطّريق وجدناها الحفرة التي تمتصّ كلّ آلامنا وتعيد ضخّها إلينا أشدّ مرارةً وعنفا..

سيرتا\أحلام

نتابع كلّ ما تكتبه، ننتظر قبل الجميع الذي ستصدره، وحين اختفى الموقع الأصفر لجأنا إلى الأزرق، حيث صارت تؤلمني الرّسائل التي لا تصل إليها فتوقّفت عنها وسلّمتُ للقدر، بعدما فهمتُ أنّ أجمل الأحلام تتحقّق في الوقت الذي تجعلنا أحلام أخرى نزحف، كثيرا بلا أقدام تقدّمت على يدين متسلّختين، وهذه المرّة دون جِلدٍ تماما…

منذ شهرين حين عدتُ إلى قسنطينة بعد سنوات غياب وقطيعة عشق، عاقبتني بجمرٍ في حذائي وكلّما مشيت في زقاق شعرتُ بظهري يُقلِّبُه، وأحزاني تنفخ فيه ليشتعل أكثر. ثمّ رجمتني حتّى كادت تدكّني، ألّبت عليّ الحاقدين الذين احتضنتهم ولفظتني، وأمضيتُ ثلاثة أيّام بلياليها أبكي دون انقطاع لأنّ العالم كلّه غار من صوتي ذائبا فيها كمالكٍ حزين غنّى أكثر القصائد المجروحة ولم يفهم أحد أنّه لم يكن نافعا أن أعانق جرحا إلّا بجرح مثله.

حين حدث ما حدث لم أتوقّف عن التّفكير في أحلام، في كلّ لحظة أقول داخلي: “كم أشعر الآن بها”.. آذاها أشباه من آذوني فعرفتُ أنّه لا يؤذى إلّا الإنسان، ولا يؤذي الإنسان إلّا الشيطان..

عاودني حبّها الذي هل خبا؟ كأنّما على موعدٍ مع مواساة تحرّك أخيرا خطوة نحو كتفي، صرتُ أميل كأنّي أتوسّد شيئا ما، وذات ليلة فاقدة المعنى زارتني روحها وعانقتني، وقالت لي “نُسيبة ستفرج قريبا”. كلّما ضاق صدري فتحتُ نافذة الحُلم لأتنفّس.. وحرّرتُ قلبي، حرّرتُه من الأشخاص الخطأ الذين حين رأوه نبعا صافيا متجدّدا لا يتوقّف غسلوا فيه أحذيتهم، فدلّ طائر الحبّ أحلاما حقيقيّة إليه.
والحالمون حُبّا يستدلّون على بعضهم بنور العطاء.

ولأنّي امرأة، ووليّة من الوليّات اللواتي لوحدهنّ صنعن رجالا بدواخلهنّ يستندن بهنّ عليهنّ، أكره المسترجلين دون وجه إنسانيّة على النّاجحات بصفاء النّية والإحساس الصّادق بالغير، أكره الذين يتملّقون بشتم أحلام وكثيرا هاجمتهم ليس فقط لأنّي أحبّها بل لأنّي أحمل داخلي معاني الرّجولة الحقّة “الرّجل الحقيقيّ لا يتطاول على امرأة” والنّقد ليس تتفيها للآخر بل علمٌ يستند على أسس موضوعيّة وأخلاقيّة وليس كلاما حاقدا بمكياج فكاهي لإضحاك الأغبياء وتحريك أمعائهم المريضة من أجل أن يطرحوا فشلهم نتانة لا هي راحت ولا جاءت ولن تغيّر مثقال ذرّة في العالم.

التّاريخ قد يُخلِّدُ الأنذال، لكنّ الحبَّ لا يخلّد سوى أهله.

أنا أحبّ أحلام لأنّ الأرواح جنود مجنّدة إلى أقرانها، ولأنّ كلّ شيء حصلتُ عليه في الحياة كان بالحبّ، كما حصلت أحلام على ثروة قلبيّة لا تقف في وجهها التّفاهة، ففي عائلتي ومحيطي نساء بائسات تمضي حياتهنّ في المطبخ، حين يخلدن إلى أسرّتهن يفتحن هواتفهنّ أوّل شيء على صفحة أحلام في الفايسبوك ويقرأن رواياتها.

قالت لي إحداهنّ: أنا أنتظر متى أنتهي من “شقايا” لأقرأ لأحلام وغادة السّمان، على الواحدة ليلا ولا أنام دون ذلك أبدا، قالت لي هذا في جنازة وكنّا مجموعة فتيات جالسات على الدّرج بعضنا مطلّقات صغيرات وأخريات متزوّجات تعيسات، كلّهن لا يعرفن من الأدباء ومن عالم الشعراء والكتاب الذين يسمّون أنفسهم كبارا إلّا أحلام، أليس هذا هو المجد الحقيقي؟ أن يقرأ لك البسطاء في لياليهم الحالكة أيّها المتملّقون؟
أحبّها لأنّي لا أنسى أحلامي، حتّى تلك التي أعرف أنّها ستبقى أحلاما، لأنّي لا أنسى من أحببتهم يوما حتّى لو أظهرتم الحياة لا يستحقّون، لأنّ في حياة كلّ منا شخص يجعله يلتقي مع ذاته، أحلام جعلتني ألتقي بطريقي.

سيّدتي أحلام، ليس قليلا أبدا إنسان اخترق القلوب دون سعي منه فهذه نعمة من اللّه
ليس قليلا أبدا إنسان يحبّه قلبٌ كقلبي

هل قليل إنسان أحبّه الله فزرع محبّته في قلوب عباده الحزانى؟

وهل يدرك قيمة النّور إلّا من تشرّب العتمة؟

من يعيش بالحبّ لن ينال أقلّ منه

ومهما كانت حياته مِعصرةً، فزيتُها لفانوس القلوب هو السّعادة الحقيقية..
سلاما على أهل الرِّضا والصّفا…

ومن يرى قلبي تافها فليتفضّل خارج حياتي غير مأسوف عليه.

ومن علّق على فرحتي بـ “معتوهة” لن ينظر إليه وجهي أبدا
لأنّها فرحة عمرٍ من الانتظار..

الأحد 02\12\2018

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق